1. طرح المشكلة (المقدمة)
حققت العلوم التجريبية (الفيزياء، الكيمياء، والبيولوجيا) نجاحات باهرة بفضل المنهج التجريبي الاستقرائي القائم على الملاحظة والفرضية والتجربة وصياغة القوانين الحتمية. وقد دفع هذا الإغراء العلمي فلاسفة وعلماء القرن التاسع عشر إلى محاولة دراسة الإنسان دراسة علمية دقيقة في سلوكه النفسي، وماضيه التاريخي، وحياته الاجتماعية:
- فهل يمكن تطبيق المنهج التجريبي على الظاهرة الإنسانية كدراسة الظاهرة الطبيعية تماماً؟
- وما هي العوائق الإبستمولوجية التي واجهت هذه العلوم في التاريخ والنفس والمجتمع؟ وكيف استطاع العلماء تجاوزها؟
2. مبحث 1: علم النفس (La Psychologie)
أ) العوائق الإبستمولوجية في دراسة الظاهرة النفسية:
- طبيعة باطنية داخلية: الظاهرة النفسية ذاتية يدركها صاحبها عبر الشعور ولا تُرى من الخارج ولا تلاحظ بالعين المجردة أو بالمجهر.
- طبيعة كيفية لا تقبل التقدير الكمي: المشاعر (كالحب، والكره، والخوف، والحزن) حالات كيفية لا يمكن قياسها بوحدات رياضية أو أجهزة وزنية دقيقة.
- الفرادة وعدم التكرار: الحالات النفسية لا تتكرر بنفس الشدة وبنفس الأثر حتى لدى الشخص نفسه، مما يعطل صياغة قوانين حتمية عامة.
- تداخل الذات بالموضوع: الدارس هو الإنسان والمدروس هو نفسه؛ مما يوقع الملاحظة في عائق الذاتية والانحياز.
ب) تجاوز العوائق في علم النفس:
- ظهور المنهج السلوكي (Behaviorisme): بزعامة واطسن، الذي استبدل الاستبطان الذاتي القديم بدراسة السلوك الخارجي القابل للملاحظة والقياس كمثير واستجابة.
- تجارب بافلوف (Ivan Pavlov): أثبت العالم الروسي عبر تجارب "المنعكس الشرطي" إمكانية إخضاع السلوك الحيواني والإنساني للتجريب المخبري والتنبؤ.
- مدرسة التحليل النفسي (فرويد): تجاوزت العوائق الباطنية عبر منهج التداعي الحر والتحليل العيادي المنظم للكشف عن محتويات اللاشعور.
- استخدام المقاييس النفسية (Psychométrie): ابتكار اختبارات الذكاء والشخصية المحوسبة والكمية.
3. مبحث 2: علم التاريخ (L'Histoire)
أ) العوائق الإبستمولوجية في دراسة الحادثة التاريخية:
- فريدة من نوعها ولا تتكرر: الحادثة التاريخية (كالثورة التحريرية أو الحرب العالمية) وقعت في زمن ومكان ماضيين ولن تعود أبداً؛ وبالتالي يستحيل إخضاعها للتجربة المخبرية المباشرة.
- طبيعة معنوية وإنسانية معقدة: الحادثة التاريخية تخطيط بشري تتداخل فيه أبعاد سياسية واقتصادية ودينية يصعب حصرها.
- عائق الذاتية: تدخل ميول المؤرخ، وعواطفه، وعقيدته، وانتماؤه القومي في تدوين وتفسير الوقائع التاريخية، مما يهدد النزاهة العلمية.
ب) تجاوز العوائق في علم التاريخ:
- إسهام عبد الرحمن ابن خلدون: المؤسس الفعلي لفلسفة التاريخ وعلم العمران البشري، حيث وضع قوانين حاكمة للتاريخ (قانون السببية والعلية، قانون الإمكان والاستحالة، وقانون التشابه بين الماضي والحاضر).
- المراحل المنهجية الصارمة للبحث التاريخي:
- مرحلة جمع المصادر والوثائق: (المادية كالمخطوطات والآثار، والشفوية كشهادات المعاصرين).
- مرحلة النقد والتمحيص: النقد الخارجي (فحص مادة الوثيقة وخطها وحبرها للتأكد من أصالتها) والنقد الداخلي (تحليل مصداقية الكاتب وأهدافه).
- مرحلة إعادة بناء الحادثة وتركيبها: تنظيم الوقائع زمنياً وسببياً لبعث الماضي حياً بطريقة موضوعية علمية.
4. مبحث 3: علم الاجتماع (La Sociologie)
أ) العوائق الإبستمولوجية في دراسة الظاهرة الاجتماعية:
- التشابك والتعقيد الشديد: تتدخل في الظاهرة الاجتماعية (كالطلاق، والبطالة، والجريمة، والهجرة) عوامل نفسية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية متشابكة.
- غياب الحتمية المطلقة والتغير السريع: المجتمعات كائنات حية تتغير أعرافها باستمرار ولا تخضع لقوانين آلية جامدة.
- صعوبة التجريب الحي: لا يمكن عزل مجتمع في مختبر أو فرض تجارب اجتماعية قسرية تمس بكرامة وحرية الإنسان.
ب) تجاوز العوائق في علم الاجتماع:
- إميل دوركايم وقواعد المنهج في علم الاجتماع: صاغ دوركايم القاعدة الذهبية: "يجب دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء"؛ أي كحقائق موضوعية خارجية عن وعي الأفراد تمتاز بالجبر والإلزام والعمومية.
- المنهج الإحصائي والمقارن: استخدام الإحصاءات والاستبيانات والمسوح الديموغرافية لدراسة ظواهر كالانتحار والجريمة كمياً.
- تطبيق المنهج المقارن: مقارنة الظواهر الاجتماعية بين مجتمعات مختلفة لاستخلاص القوانين العامة المتحكمة فيها.
5. التركيب وخاتمة المقال (النتيجة)
النتيجة والتركيب: إن الصعوبات والعوائق التي واجهت العلوم الإنسانية لا تعني أبداً استحالة قيامها كعلوم، وإنما ترجع إلى **خصوصية الظاهرة الإنسانية المعقدة** مقارنة بالمادة الجامدة؛ فالإنسان هو الدارس والمدروس في آن واحد.
وقد تمكنت العلوم الإنسانية من بناء مناهج نوعية تلائم طبيعتها (المنهج السلوكي، المقارن، النقدي التاريخي، والتحليلي الإحصائي) وحققت "نسبية علمية وموضوعية ملائمة" تمنحها مكانتها المرموقة في حقل المعرفة الإنسانية المعاصرة.